فخر الدين الرازي
317
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
بالفاء فلا تقول : وبالفاء فإنه ربما يقول : كنتم تكذبون فذوقوا . المسألة الرابعة : النذر كيف يذاق ؟ نقول : معناه ذق فعلك أي مجازاة فعلك وموجبه ويقال : ذق الألم على فعلك وقوله : فَذُوقُوا عَذابِي كقولهم : ذق الألم ، وقوله : وَنُذُرِ كقولهم ذق فعلك أي ذق ما لزم من إنذاري ، فإن قيل : فعلى هذا لا يصح العطف لأن قوله : فَذُوقُوا عَذابِي وما لزم من إنذاري وهو العذاب يكون كقول القائل : ذوقوا عذابي وعذابي ؟ نقول : قوله تعالى : فَذُوقُوا عَذابِي أي العاجل منه ، وما لزم من إنذاري وهو العذاب الآجل ، لأن الإنذار كان به على ما تقدم بيانه ، فكأنه قال : ذوقوا عذابي العاجل وعذابي الآجل ، فإن قيل : هما لم يكونا في زمان واحد ، فكيف يقال : ذوقوا ، نقول : العذاب الآجل أوله متصل بآخر العذاب العاجل ، فهما كالواقع في زمان واحد وهو كقوله تعالى : أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً [ نوح : 25 ] . / ثم قال تعالى : [ سورة القمر ( 54 ) : آية 38 ] وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ ( 38 ) أي العذاب الذي عم القوم بعد الخاص الذي طمس أعين البعض ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : صَبَّحَهُمْ فيه دلالة على الصبح ، فما معنى : بُكْرَةً ؟ نقول : فائدته تبيين انطراقه فيه ، فقوله : بُكْرَةً يحتمل وجهين أحدهما : أنها منصوبة على أنها ظرف ، ومثله نقوله في قوله تعالى : أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [ الإسراء : 1 ] وفيه بحث ، وهو أن الزمخشري قال : ما الفائدة في قوله : لَيْلًا وقال : جوابا في التنكير دلالة على أنه كان في بعض الليل ، وتمسك بقراءة من قرأ : من الليل وهو غير ظاهر ، والأظهر فيه أن يقال : بأن الوقت المبهم يذكر لبيان أن تعيين الوقت ليس بمقصود المتكلم وأنه لا يريد بيانه ، كما يقول : خرجنا في بعض الأوقات ، مع أن الخروج لا بد من أن يكون في بعض الأوقات ، فإنه لا يريد بيان الوقت المعين ، ولو قال : خرجنا ، فربما يقول السامع : متى خرجتم ، فإذا قال : في بعض الأوقات أشار إلى أن غرضه بيان الخروج لا تعيين وقته ، فكذلك قوله تعالى : صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً أي بكرة من البكر و أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا أي ليلا من الليالي فلا أبينه ، فإن المقصود نفس الإسراء ، ولو قال : أسرى بعبده من المسجد الحرام ، لكان للسامع أن يقول : أيما ليلة ؟ فإذا قال : ليلة من الليالي قطع سؤاله وصار كأنه قال : لا أبينه ، وإن كان القائل ممن يجوز عليه الجهل ، فإنه يقول : لا أعلم الوقت ، فهذا أقرب فإذا علمت هذا في أسرى ليلا ، فاعلم مثله في : صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً ويحتمل أن يقال : على هذا الوجه : صَبَّحَهُمْ بمعنى قال لهم : عموا صباحا استهزاء بهم ، كما قال : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ * [ آل عمران : 21 ] فكأنه قال : جاءهم العذاب بكرة كالمصبح ، والأول أصح ، ويحتمل في قوله تعالى : صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً على قولنا : إنها منصوبة على الظرف ما لا يحتمله قوله تعالى : أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا وهو أن : صَبَّحَهُمْ معناه أتاهم وقت الصبح ، لكن التصبيح يطلق على الإتيان في أزمنة كثيرة من أول الصبح إلى ما بعد الإسفار ، فإذا قال : بُكْرَةً أفاد أنه كان أول جزء منه ، وما أخر إلى الإسفار ، وهذا أوجه وأليق ، لأن اللّه تعالى أوعدهم به وقت الصبح ، بقوله : إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ [ هود : 81 ] وكان من الواجب بحكم الإخبار تحققه بمجيء العذاب في أول الصبح ، ومجرد قراءة : صَبَّحَهُمْ ما كان يفيد ذلك ، وهذا أقوى لأنك تقول : صبيحة أمس بكرة واليوم بكرة ، فيأتي فيه ما ذكرنا من أن المراد بكرة من البكر الوجه الثاني : أنها منصوبة على المصدر من باب ضربته سوطا ضربا فإن المنصوب في ضربته ضربا على المصدر ، وقد